سعيد حوي

1463

الأساس في التفسير

قسّيسين ورهبانا ، وأن فيهم تواضعا واستكانة ، واليهود على خلاف ذلك . قال النّسفى : وفيه دليل على أن العلم أنفع شئ وأهداه إلى الخير ، وإن كان علم القسّيسين ، وكذلك علم الآخرة وإن كان في راهب ، والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ وصفهم برقّة القلوب ، وأنهّم يبكون عند استماع القرآن . ومعنى تفيض من الدمع : أي تمتلئ من الدمع حتى تفيض لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه ، أو أن أعينهم جعلت كأنها تفيض بنفسها من أجل البكاء . وفي قوله تعالى ( مِنَ الْحَقِّ ) إن أريد ب ( من ) التبعيض يكون المعنى عرفوا بعض الحق فأبكاهم ، فكيف إذا عرفوه كله ، فقرءوا القرآن وأحاطوا بالسنّة يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا . أي : بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ أي : مع أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة ، قالوا ذلك لمعرفتهم وصف هذه الأمّة بذلك وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا . أي : وبما جاءنا مِنَ الْحَقِّ . أي : محمدا عليه الصلاة والسلام والقرآن وفي استفهامهم هذا معنى الإنكار والاستبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام اللّه عليهم بصحبة الصالحين ، ولذلك ختمت الآية بقوله تعالى على لسانهم وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ والتقدير ونحن نطمع أن يدخلنا ربنا الجنة مع الأنبياء والمؤمنين فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا . أي : بقولهم ربنا آمنا وتصديقهم جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ قال النسفي : فيه دليل على أن الإقرار داخل في الإيمان ، وحتى لا يفهم فاهم أن هذا الثناء على النصارى جميعا عقّب فقال وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ هذا أثر الرّدّ في حق الأعداء ، والأوّل أثر القبول للأولياء ، فالثناء على نصارى من نوع خاص اجتمعت لهم صفات ، منها قبول الإسلام ، وهذا شئ يجب أن يضعه الدعاة إلى اللّه نصب أعينهم . ملاحظات في السّياق : 1 - لقد تحدّث القسم الأوّل من سورة المائدة عن الفسوق والخسران ، ونقض العهد والإفساد في الأرض ، وأسباب الهداية والضلال ، ثمّ جاء القسم الثاني فعمّق في موضوع الهداية والضلال ، وموضوع الفسوق والفساد في الأرض ، وقطع ما أمر اللّه به أن يوصل ، ثمّ جاء القسم الثالث في مقطعيه آمرا بالتبليغ بانيا على ما مرّ من قبل في السورة محرّرا من